عين القضاة

32

شرح كلمات بابا طاهر العريان

وقال : ( ليس في الدنيا أغرب من العارفين ، تغرّبوا بالموافقة ، وتغيّبوا بالمباينة ، فهم بالغربة مفردون ، وبالغيبة فانون ) . أقول : أغرب بمعنى أعجب ، وهو أفعل التفضيل من قولهم أمر غريب ، أي عجيب ؛ كما ورد في الخبر : « الإسلام بدأ غريبا ، وسيعود غريبا » ، أي عجيبا ، وقوله : ( تغرّب ) ، أي صار بعيدا ، وتغيّب أي تستّر ، وأراد بالموافقة متابعة العلم في الظاهر ، وبالمباينة المباعدة عن أحكام التفرقة في الباطن ، والمفرد اسم فاعل من الإفراد ، وهو إفراد الحقّ بالتعبّد له ، وفانون جمع فان . المعنى : ليس في الدنيا أعجب حالا من العارفين ، فإنّهم متغرّبون عن وطن الجمع إلى سفر التفرقة ، بموافقة العلم في الظاهر ، متغيّبون في طيّ الفناء ، بمباينة أحكام التفرقة في الباطن ، فهم بسبب الغربة مفردون للّه العبادة ، وبسبب الغيبوبة عن أحكام الظاهر فانون عن التقيّد بشيء دون آخر . وقال : ( أهل العلوم مطالبون بالاستعمال ، وأهل الحقيقة مطالبون بالإخلاص ، وأهل المعرفة مطالبون بالحرقة ) . أقول : أمّا الموافقون على مجرّد العلوم الظاهرة ، فمطالبون بمجرّد استعمالها . وأمّا أهل الحقيقة والشهود ، فمطالبون بإخلاص العمل للّه ، وإخراج الخلق عن معاملته ؛ لأنّ النظر عن المشهود الحقيقي إلى ما لا وجود له سوء أدب ، مخصوص بحال أهل الشهود . وأمّا أهل المعرفة والوصول ، فمطالبون بحرقة الوجود وفنائه ، فهم الأعلون ؛ لمجاوزتهم حدّ الحدوث ، وأهل العلم الأدنون ؛ لوقوفهم على جمع الظاهر ، وأهل الحقيقة المتوسّطون ؛ لمجاوزتهم الظاهر إلى الباطن ، وهم مخلصون ؛ لفنائهم عن أنفسهم ، وبقائهم باللّه تبارك وتعالى . وقال : ( ضرورة العالم علمه ، وضرورة المريد مراده ، وضرورة العارف ربّه ) . أقول : الضرورة ما لا بدّ منه ، ولا تجاوز عنه ، ولكلّ أحد ضرورة ، فضرورة العالم علمه ، وضرورة المريد مراده ، وضرورة العارف ربّه ، يتقيّد كلّ